كتب المفكر الاسلامي السيد محمد علي الحسيني الغدير.. محطة جامعة في الوعي الإسلامي
الغدير.. محطة جامعة في الوعي الإسلامي

العلامة السيد محمد علي الحسيني
تطلّ مناسبة الغدير على المسلمين كل عام بوصفها مناسبة ذات حضور عميق في الذاكرة الإسلامية، ارتبطت بحدث تاريخي جرى في منطقة غدير خم بعد عودة النبي محمد ﷺ من حجة الوداع، حيث خاطب جموع المسلمين في موقف بقي محل اهتمام العلماء والمؤرخين والمحدثين عبر القرون
ورغم اختلاف المذاهب الإسلامية في تفسير دلالات هذا الحدث وأبعاده السياسية والتاريخية، إلا أن هناك حقيقة كبرى لا يختلف عليها المسلمون على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم، وهي المكانة الرفيعة التي حظي بها أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما يمثله من نموذج فريد في العلم والشجاعة والعدالة والزهد والإخلاص
لقد كان الإمام علي أول المؤمنين، وربيب بيت النبوة، وصهر رسول الله ﷺ، وأحد أبرز قادة الإسلام الذين حملوا راية الدعوة في أصعب مراحلها. وقد اجتمعت الأمة على محبته وتوقيره والاعتراف بفضله، حتى قال الإمام الشافعي: "ما أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفاً، وأخفى أعداؤه فضائله حسداً، فظهر من بين هذين ما ملأ الخافقين"
إن مناسبة الغدير ينبغي أن تُقرأ اليوم بعين الحكمة والبصيرة، بعيداً عن منطق الانقسام أو استدعاء الخلافات التاريخية، فالأمة الإسلامية تواجه تحديات كبرى تتطلب تعزيز مساحات الاتفاق وتغليب المشتركات على مواضع الاختلاف. ومن أبرز هذه المشتركات محبة آل بيت رسول الله ﷺ وتقدير الصحابة الكرام والاعتزاز بالرموز التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية وصناعة تاريخها
لقد علّمنا القرآن الكريم أن وحدة الأمة مقصد شرعي عظيم، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، كما أرشدنا إلى أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو تعصب ، بل إلى حوار علمي راقٍ يحفظ الاحترام المتبادل ويصون وحدة الصف
ومن هنا فإن استذكار الغدير يمكن أن يكون مناسبة للتأمل في القيم التي جسدها الإمام علي؛ قيم العدالة التي جعلته رمزاً للحاكم العادل، والشجاعة التي جعلته مثالاً للفارس المؤمن، والعلم الذي جعله باباً من أبواب المعرفة الإسلامية، والإنسانية التي تجلت في وصاياه وخطبه وسيرته مع الناس
إن المسلمين، مهما اختلفت اجتهاداتهم في قراءة بعض الوقائع التاريخية، يجتمعون على أن الإمام علي بن أبي طالب قامة إسلامية استثنائية، وأن سيرته تمثل رصيداً أخلاقياً وفكرياً للأمة كلها، لا لطائفة دون أخرى ولا لمذهب دون آخر
وفي زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب الاعتدال ومد جسور التقارب، تبقى مناسبة الغدير فرصة لتأكيد أن ما يجمع المسلمين أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن احترام الرموز الجامعة، وفي مقدمتها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هو جزء من ثقافة الوحدة الإسلامية التي تحفظ للأمة تماسكها ورسالتها الحضارية
السلام على أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل من سيرته مدرسةً للأجيال في العدل والحكمة والشجاعة والوفاء، وجمع كلمة المسلمين على الخير والهدى والتعاون فيما يحقق مصالح الأمة ويعزز وحدتها واستقرارها
امين عام المجلس الاسلامي العربي

